أحمد مصطفى المراغي

17

تفسير المراغي

تعليمه مما يقرّبه إلى ربه ، ويلين له قلبه ، ولا يشق عليه فعله مشقة كبيرة كالصلاة والزكاة والجهاد ونحوها . ( ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً . حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً ) أي ثم قفل راجعا من مغرب الشمس وسلك طريقا موصلا إلى مشرقها ، حتى إذا بلغ الموضع الذي تطلع عليه الشمس أوّلا من المعمور ، وجدها تطلع على قوم ليس لهم بناء يكنّهم ، ولا أشجار تظلهم وتسترهم عن حر الشمس ، فليس لهم سقوف ولا جبال تمنع من وقوع أشعة الشمس عليهم ، لأن أرضهم لا تحمل بنيانا ، بل لهم سروب يغيبون فيها حين طلوع الشمس ، ويظهرون حين غروبها ، فهم حين طلوع الشمس يتعذر عليهم التصرف في المعاش ، وحين غروبها يشتغلون بتحصيل مهماتهم ، وأحوالهم على الضد من أحوال الناس . وخلاصة ذلك - إنه بلغ غاية المعمور من الأرض جهة المشرق ووجد قوما لا لباس لهم ولا بناء ، فهم عراة في العراء أو في سراديب في الأرض . ( كَذلِكَ ) أي إن أمر ذي القرنين كما وصفنا من قبل من بلوغه طرفي المشرق والمغرب ، ومن فعله الأفاعيل التي ذكرت ، فهو قد بلغ الغاية في رفعة الشأن وبسطة الملك مما لم يتح لكثير غيره . ( وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً ) أي ونحن مطلعون على جميع أحواله وأحوال جيشه لا يخفى علينا شئ منها وإن تفرّقت أممهم وتقطعت بهم الأرض كما قال « لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ » . وخلاصة ذلك - إنه كما وصف ، وفوق ما وصف ، بما لا يحيط بعلمه إلا اللطيف الخبير . ( ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً ) أي ثم سلك طريقا ثالثا معترضا بين المشرق والمغرب آخذا من مطلع الشمس إلى الشمال . ( حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا )